ابن شعبة الحراني
146
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
اجتماعا في تفريق أهوائهم وتشتيت أديانهم من تعظيم الوفاء بالعهود ( 1 ) . وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا ( 2 ) من الغدر والختر فلا تغدرن بذمتك ولا تخفر بعهدك ( 3 ) ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل . وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ( 4 ) وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون به إلى جواره ، فلا خداع ولا مدالسة ولا إدغال فيه ( 5 ) . فلا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله على طلب انفساخه فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ( 6 ) وأن تحيط بك من الله طلبة ولا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك . وإياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى لزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير الحق . والله مبتدئ بالحكم بين العباد فيما يتسافكون من الدماء . فلا تصونن سلطانك ( 7 ) بسفك دم حرام ، فإن ذلك يخلقه ويزيله ، فإياك والتعرض لسخط الله فإن الله قد جعل لولي من قتل مظلوما سلطانا قال الله : " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ( 8 ) "
--> ( 1 ) الناس مبتدأ وخبره أشد والجملة خبر ليس ، يعنى إن الناس مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم لم يجتمعوا على فريضة أشد اهتماما من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود حتى أن المشركين التزموا به مع أنهم ليسوا من المسلمين . ( 2 ) استوبلوا : استوخموا من عواقب الغدر والخطر . ( 3 ) فلا تخفر أي فلا تنقض بعهدك وفى النهج [ ولا تخيسن ] من خاس بعهده أي خانه ونقضه . ( 4 ) الافضاء أصله الاتساع وهنا مجاز ويراد به الافشاء والانتشار . والحريم : ما حرم أن يمس . والمنعة : القوة التي تمنع من يريد بأحد سوءا . ( 5 ) المدالسة : الخيانة . والادغال : الافساد . ( 6 ) التبعة : ما يترتب على الفعل من الخير أو الشر واستعماله في الشر أكثر . و " أن تحيط " عطف على تبعة والطلبة اسم من المطالبة أي وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته ولا يمكن أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفوه عنك . ( 7 ) في النهج [ ولا تقوين سلطانك ] . ( 8 ) سورة الاسرى آية 33 .